لوقا 5:17-6 PDF Print E-mail


8/9/2013

 

 


قراءة اليوم من القراءات المميزة في الكتاب المقدس ولكنها ايضا من القراءات الصعبة التفسير "لو كان لكم ايمان مثل حبة الخردل، لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكم". والموضوع الذي تعالجه القراءة هو واضح: "قوة الايمان"، لكن الموضوع ليس بهذه البساطة، لذلك لا بد ان نتامل في القراءة بتمعن وتعمق.

 

(1) طلب التلاميذ من يسوع كان "زد ايماننا"! اي ان التلاميذ كانوا على قناعة ان لهم رصيد معين من الايمان ولكنهم بحاجة الى المزيد... هم بحاجة الى ايمان اكبر، واعمق، واقوى، وارسخ. وطلب التلاميذ هوطلب الكثير من المؤمنين: "أمنت يا رب فقوي ايماني". ولو كان احد غير يسوع لاعطى تلاميذه وصفة دينية او فتوى لتقوية الايمان، لقال لهم مثلا: انتم تقرأون صفحة من الكتاب المقدس يوميا، اقرأوا صفحتين... او انتم تقضون نصف ساعة في الصلاة، اجعلوها ساعة كاملة. ولو كان من احد تجار الدين لقال لهم: عليكم التسجيل في الصف المتقدم من دروس الايمان وشراء كتابي رقم 4، ولكن جواب يسوع يشكل مفاجاة بلا شك، لماذا؟ لانه لا يطلب ايمان اكبر، بل ايمان اصغر. "لو كان لكم ايمان مثل حبة الخردل" وحبة الخردل هي اصغر انواع الحبوب، لم يقل لو كان لكم ايمان مثل البطيخة، او مثل حبة القرع، او ايمان مثل الجميزة، او مثل الجبل، بل قال ايمان مثل حبة الخردل.
التلاميذ تطلب ايمان اكبر ويسوع يريد ايمان اصغر، هل هذا معقول؟ في الواقع هنا يكمن سر الانجيل وقلب البشارة المسيحية. فمن يطلب دائما ايمان اكبر يكون متشبها بالشريعة، الشريعة دائما تؤرق الانسان وتطلب منه ايمان اكبر واقوى " لازم تصوم اكثر، ولازم تصلي اكثر". الشريعة تهمس في اذن المؤمن دوما: لا يكفي ما تفعله، لا يكفي ما تصنعه، لا بد ان تحاول اكثر واكثر واكثر. لذلك يفاجئ يسوع تلاميذه بقوله: ايمان مثل حبة الخردل، وكأن يسوع اراد ان يؤكد لهم ان الايمان لا يقاس بالكم، ولا بالساعات ولا بالاطنان، بل بفعله، بقدرته على التأثير، بقوته على التغيير، ولهذا يكفي القليل، فالقليل منه مفعوله كبير. 
تذكروا: من يتحدث دائما عن ايمان اعمق واكبر يتبع الشريعة، الايمان المسيحي لا يقاس بالكمية بل بالنوعية، بالتأثير. اذ انظر حولي على ايمان الكم الاكبر من المسيحيين، ارى ايمانهم قد تحول الى مجرد مشاعر، دفء في القلب، شعور بالطمأنينة في النفس، ولكن لم يعد لهذا الايمان تأثير في المحيط الخارجي. فقدنا الايمان بالقدرة على التغيير وانزوينا كلٌ في معبده.

 


(2) السؤال الثاني والذي يطرح نفسه في قراءة اليوم يتعلق بالجميزة. ما الحكمة ان يأمر المؤمن ان تنقلع الجميزة من ارضها الطبيعية لتنغرس في البحر؟ أولا يعد هذا خرابا؟ هل ينقصنا اناس يقلعون الاشجار؟ الا يكفي التخريب الحاصل من الجهلاء؟! هل على المؤمن ان يشترك معهم في عملية التخريب؟ بالنسبة ليسوع، الايمان له قوة عظيمة قد تكون للخير او قد تكون للشر، حسب نوع الايمان. من كان يظن يوما ان ناطحتي السحاب في نيويورك، واللذان كانا رمزا لاقتصاد القوة الاكبر في العالم، من ظن يوما انه بامكان الانسان ان يدمرهما باقل من ساعة؟ احدهم آمن ان ذلك ممكن فعمل على تحقيقه. من كان يظن يوما في القرن التاسع عشر ان دولة ستسمى اسرائيل ستقوم بالرغم من معاداة اوروبا لليهود، ورغما عن انف الشعوب العربية قاطبة؟ احدهم آمن بذلك (هرتسل) وعمل على تحقيقه. الايمان قوة عظيمة قد تستخدم للخراب او للخير. والعكس صحيح: اعمالنا بدون ايمان تبقى شاحبة لا حول لها ولا قوة ولا تأثير يذكر. العبرة ليست في الاعمال التي نعمل بل بالايمان الذي يحرك اعمالنا، اي عمل بدون ايمان يسنده يبقى عملا ليس الا. ولكن الاعمال التي تأتي نتيجة الايمان هذه تبقى مميزة، مؤثرة، مغيرة، او قد تكون مخربة ايضا. للأسف الحضارة العربية التي نبتت كالجميزة في وسط هذه الصحراء الشرق اوسطية ها هي تنقلع اليوم بايدي قلة ممن احتكروا الدين لانفسهم، وترمى ليس في البحر بل في النار ليحرق الاخضر واليابس. نحن اليوم بحاجة الى ايمان مضاد، ايمان يؤمن بالقدرة على البناء، على النهوض، على صنع المستقبل، على التعددية السياسية والدينية.

 

(3) يبدو لي ان العلم احتل هذه الايام مكان الايمان، العلماء اليوم راحوا يؤمنون بمقدرتهم على صنع المستحيل، لذلك تراهم ينخرطون في الابحاث والتجارب حتى تنجح تجاربهم ويصنعون المعجزات. قرأت مقابلة مع احد مهندسي الطيران الذي صمم احدث طائرة ايرباص 380 والتي تتسع ل 853 راكبا في طابقين وبمساحة تزيد 49% عن اكبر طائرة سبقتها وهي بوينغ 747، وكان تصميم طائرة بهذا الحجم ضرب من ضروب المستحيل ولكن المهندس آمن ان باستطاعته ان يصمم طائرة كهذه ونجح في ذلك بفضل ايمانه. لذلك لا يمكن ان تقتصر قوة الايمان على المسيحيين فقط بل ربما اراد يسوع ان يوضح ان احيانا كثيرة غير المسيحيين لهم ايمان بمقدرتهم على التغيير وعلى عمل المستحيل اكثر منا نحن المسيحيين. اجل، ربما اراد يسوع ان يحرج تلاميذه، ان ايمانهم قد اصبح معدوما، حتى ايمان حبة الخردل راح ينقصهم وان جماعات اخرى كثيرة من حولهم آمنت بقوة الايمان وبمقدرته على التأثير. ولكن يسوع اراد بقوله ايضا ان يشجعنا على اكتشاف القوة الخارقة الكامنة في ايماننا التي ربما لم نفعلها حتى هذه اللحظة.لذلك يسوع يدعونا اليوم ان نعيد اكتشاف قوة ايماننا التي سماها بولس "ديناميت الله" (رومية17:1). يسوع يدعونا ان ندرك قوتنا على التأثير والتغيير في هذا العالم، يسوع يذكرنا بان لا شيء مستحيل للمؤمن بل استطيع كل شيء في المسيح يسوع الذي يقويني. 

 

آميــــــــــــــــن