محمود درويش والكتاب المقدس

القس د. متري الراهب

على غير ميعاد وقبل الأوان رحل عنا في الأسبوع الماضي الشاعر الكبير محمود درويش ...

ولقد قيل الكثير في هذا الشاعر الكبير ...

وكتب عنه أكثر ولن أحاول أن أدلو بدلوي ...

ولكنني ارتأيت في هذا اليوم أن نتأمل بموضوع لم ولن يكتب فيه شيئاً البتة ألا وهو :

محمود درويش والكتاب المقدس ...

وليس هذا بالأمر الهين ...فما سأحاول أن أعرضه عليكم اليوم في عجالة يصلح أولاً وأخيراً موضوعاً لأطروحة دكتوراه في الأدب الفلسطيني المعاصر أو في اللاهوت ، ولكنني وكثيراً ما كنت أقف مندهشاً أمام شاعرنا الكبير وهو يوظف الرمز الكتابي في شعره ... ولو لم يكن اسم شاعرنا محموداً لظننته مسيحياً يكتب لاهوتاً ...

بل عالماً يفسر الكتاب المقدس على ضوء الواقع ...أو واعظاً يترجمه من سياقه الى السياق الفلسطيني المعاصر ...

أجل...، ألم فقيدنا بالكتاب المقدس كما لا يلم إلا اللاهوتي المخضرم... فكتب في شعره عن السامرية[1] وعن مريم المجدلية[2] وعن المرأة التي سكبت الطيب على رجلي يسوع ...[3]

ومن العهد القديم ذكر يوسف وأخوته[4] ، وابراهيم[5] واسماعيل[6] ،ويشوع بالنون[7] وداود وسليمان[8] ، وأغاني سليمان[9]... وأيوب[10]  .. هذا ناهيك عن قايين وهابيل[11]

والأرض التي تغدق لبناً وعسلاً[12] ... وسدوم وعمورة[13] ...ولوط[14] ...ونوح[15]...وأشعياء[16] ... وحبقوق[17] ...

وفي شعره ذكر ميلاد المسيح... ومعموديته... وتجربته على الجبل[18] ... وتعاليمه وأعجوبته الأولى في قانا الجليل حين حول المسيح فيها الماء الى خمر[19] وذكر أيضاً مثل الكرم [20] ومشيته على البحيرة[21] ... وصلبه ...وقيامته وعودته الثانية[22] ...

بل وألمّ شاعرنا الكبير وحفظ الكثير من آيات الكتاب المقدس عن ظهر قلب ... وسخرها في شعره... فمن الهللويا ... الى ايلي ايلي لماذا تركتني الى أن المحبة قوية كالموت... وباطل الأباطيل... والى اقتباسه كلمات يسوع الى اليونانيين : بأن حبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل .

وفي إحدى آخر المقابلات مع جريدة الحياة سؤل شاعرنا الكبير "ما دمنا نتكلم عن الدين نلاحظ أن في شعرك أثراً توراتياً ولا سيما من «نشيد الأناشيد»، يتمثل في غنائيتك العالية في ديوان «سرير الغريبة» وسواه! ما الذي يجذبك كشاعر في النص التوراتي وكيف أثر فيك؟ فأجاب : " في البداية، درست في الأرض المحتلة، وكانت بعض أسفار التوراة مقررة في البرنامج باللغة العبرية، ودرستها حينذاك. لكنني لا أنظر الى التوراة نظرة دينية، أقرأها كعمل أدبي وليس دينياً ولا تاريخياً."

ثم سؤل مباشرة : "  هل التوراة مصدر من مصادرك؟"

فأجاب بدون تردد :" لا شك في أنها أحد مصادري الأدبية."

ومن ثم سؤل : "هل أعدت قراءة التوراة بالعربية؟"

وأردف :"  أجل، قرأت ترجمات عربية عدة ومنها الحديثة. وأحب فيها بعض الركاكة. فمثل هذه الكتب يجب أن يترجم في طريقة خاصة. و«نشيد الأناشيد» يعتبره كبار الشعراء في العالم من أهم الأناشيد الرعوية في تاريخ الشعر، مع غض النظر عن مصادر هذا النشيد الفرعونية أو الآشورية." [23]

من يقرأ هذه المقابلة لابد إلا أن يصاب بالدهشة ، إذ سيكشف أن شاعرنا لاهوتياً مخضرماً قرأ الكتاب المقدس بلغات عدة وترجمات كثيرة وأنه فعل هذا مرات عديدة ...

وقد يتساءل المرء : ألم يقلل شاعرنا من قدر الكتاب المقدس عندما أقر بأنه يقرأه ككتاب أدبي فقط وليس ككتاب ديني أو تاريخي؟

هذا ما يبدو للوهلة الأولى وعلى السطح ...

 

أما إذا أدركنا أن الأدب هو الشيء الوحيد الأزلي في فكر شاعرنا لأدركنا أهمية الكتاب المقدس له ... فلو كان تاريخياً أو نصاً دينياً فحسب لكان أرقى ... ولكن إذا هو أدبي فهو الهي ...قوي ...ووجودي ...

في الأيام الأخيرة أردت أن أٌعيد قراءة قصائد محمود من قصيدته الاولى وحتى الأخيرة لأرى كيف ومتى ولماذا اقتبس شاعرنا الكتاب المقدس ...

واكتشفت في قراءتي هذه أربع مراحل مختلفة في حياة محمود ...هذه المراحل هي السياق ... الفلسطيني أو الدولي ، أو الشخصي لمحمود...وفي كل من هذه المراحل ستكتشف أن نصاً كتابياً معينأ هو الذي استحوذ على تفكير شاعرنا...أجل لكل مرحلة نص...ولكل مقام مقال ...

 

وسأحاول على عجالة أن أبين هذه المراحل الأربعة :

1-       المرحلة الأولى : 1964 – 1967

محمود الشاب ...ابن البروة المهجر ...في أوائل العشرينات من العمر ...يعيش في حيفا مهجراً ...مطارداً ...سجيناً ومناضلاً ...

في هذه المرحلة رأى محمود في المصلوب مرآة له ...

رأى فيه مناضلاً ... ثائراً ... متألماً ومقاماً ...

ففي أول أربعة قصائد له، عندما تفتحت قريحته الشعرية كان الصليب حاضراً في ثلاث منها، ومن يقرأ هذه القصائد سيظن أنه أمام لاهوتي تحرري من أمريكا اللاتينية.

ربما كلنا حفظنا صائده هذه والتي أنشدها مرسيل خليفة دون أن نفطن للاهوت التحرري الذي كان يعبق منها.

ففي قصيدته عن انسان أو Ecce Homo  يقول :

"وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى

وقالوا أنت قاتل

أخذوا طعامه والملابس والبيارق

ورموه في زنزانة الموتى وقالوا : أنت سارق

"يا دامي العينين والكفين

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

ولا زرد السلاسل

نيرون مات ، ولم تمت روما

بعينيها تقاتل

وحبوب سنبلة تموت

ستملأ الوادي سنابل ."[24]

وفي قصيدة " قال المغني" يقول :

المغني على صليب الألم

جرحه ساطع كنجم

قال للناس حوله

كلّ شيء.. سوى الندم:

هكذا متّ واقفا

واقفا متّ كالشجر!

هكذا يصبح الصليب

منبرا.. أو عصا نغم

و مساميره.. وتر!

هكذا ينزل المطر

هكذا يكبر الشجر
..

في هذه القصيدة معنى الصليب واضح وضوح الشمس : فهو سبيل الفداء ... ومنبراً للنضال ... وطريقاً وحيداً للخلاص...

 

ومثال أخير عن هذه المرحلة من قصيدته : " نشيد :

_ا لو..

 

_أريد يسوع

 

_نعم! من أنت !

 

_أنا أحكي من" إسرائيل"

 

و في قدمي مسامير.. و إكليل

 

من الأشواك أحمله

 

فأي سبيل

 

أختار يا بن الله.. أي سبيل

 

أأكفر بالخلاص الحلو

 

أم أمشي؟

 

أم أمشي و أحتضر ؟

 

_أقول لكم" أماماً أيّها البشر!"

 

هنا أيضأ محمود يحمل صليبه يخاطب المصلوب وقد أعياه التعب ...وقد أضناه الشك ...

ليسمع يسوع يخاطبه ويشجعه أن يٌكمل المسيرة الى النهاية وأن يسير قٌدٌماً نحو الجلجلثة

في هذه المرحلة الاولى كان اخر ذكر للصليب في قصيدته : أغنية حب على الصليب ، وهي القصيدة التي يخاطب المصلوب فيها عشيقته مدينة القدس :

أحبك كوني صليبي

وكوني ، كما شئتِ ، برجَ حمام

إذا ذوبتني يداك

ملأت الصحارى غمام

 

هنا أيضاً نجد أن للصليب معنىً ... فهو تعبير عن محبة أزلية ... انه رسالة سلام سرمدية ، وبشارة خير وعطاء للبشرية...

لقد كتب محمود قصيدته هذه في نفس السنة التي سقطت فيها مدينة القدس تحت الاحتلال وكان هو تحت الاقامة الجبرية في منزله.

بعد سقوط القدس يخبو الرمز الديني في شعر درويش وكأن لسانه قد شُل من هول ما يجري...

في هذه المرحلة ينضم درويش الى الحزب الشيوعي ومن ثم يترك البلاد الى موسكو ومنها الى مصر ليستقر أخيراً في بيروت ...

في هذه الفترة ما بين سقوط القدس عام 1967 وحتى حصار بيروت علم 1982 يتجنب شاعرنا الكتاب المقدس ، ويبتعد عن الرمز الديني ، فهو الشيوعي فيها ، أراد ان يعيش خارج الأسطورة ولخمس عشرة سنة يخبو الوحي الكتابي عن شاعرنا ويستبدل المصلوب باتحاد سوفيتي يؤمن به ويتواصل معه وبحلم اشتراكي يحمله معه ... ولكن كان الوحي أقوى وحلم الاسطورة أغنى ...

الصليب كان حاضراً في شعر محمود درويش منذ اللحظة الأولى التي تحرك فيه قلمه وجاشت قريحته...

في هذه المرحلة الاولى من حياته ( 1964-1967) رأينا في درويش لاهوتياً تحررياً مخضرماً يجد في المصلوب المثال الأسمى prototype  للسجين والشهيد الفلسطيني الذي يرفض الخنوع أو الاستسلام والذي يسطر بدماءه أعظم تضحية ويجعل من الصليب سلماً للغد الموعود.

ومن ثم رأينا كيف أن بعد نكسة 1967 خبا الوحي عند درويش ... الذي التحق بالحزب الشيوعي الاسرائيلي ومن ثم غادر اسرائيل الى موسكو ليستقر في بيروت. في هذه المرحلة من شعر درويش لا نرى أي أثر يذكر للكتاب المقدس في نصوص درويش التي خطها بين عامي 1967 ومن حصار بيروت عام 1982 .

وفجأة ومن قلب حصار بيروت عام 1982 وعلى وقع صبرا وشاتيلا تتحرك قريحة محمود درويش مرة أخرى...

 

ومنها تبدأ المرحلة الثانية :

 

فما حدث للشعب الفلسطيني في بيروت يشبه ما حدث مع المسيح ... كيف سلمه أقرب المقربين ...وتقاسموا تركته وأنكروه وتركوه وحيداً على الصليب...

بل ووضعوه في القبر ، حاصروه بين الحجر...

" كسروك ، كم كسروك كي يقفوا على ساقيك عرشاً ...

وتقاسموك وأنكروك وخبأوك وأنشأوا ليديك جيشاً

حطوك في حجر وقالوا : لا تُسلم

ورموك في بئر وقالوا : لا تُسلم

وأطلت حربك يا ابن أمي

ألف عام ألف عام في النهار،

فأنكروك لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرارز

هم يسرقون الآن جلدك

فاحذر ملامحهم، يا ابن أمي

يا ابن أكثر من أب

كم كنت وحدك..." [25]

 

 

 

مثال آخر من هذه القصيدة يكتب فيه محمود :

 

" الله أكبر

هذه آياتنا فاقرأ

باسم الفدائي الذي خلقا

من جرحه شفقا

باسم الفدائي الذي يرحل

من وقتكم ...لندائه الأول

الأول والأول

سندمر الهيكل

باسم الفدائي الذي يبدأ

اقرأ...

بيروت صورتنا

بيروت سورتنا..." [26]

في هذه القصيدة عينها بربط محمود بين القرآن والكتاب المقدس ... وكأنه نبي تنزل عليه سورة يسميها بيروت...ومن ثم وقع سورة العلق ... يقرأ محمود درويش ولكن باسم الفدائي الذي خلقا في جرحه شفقا...

والذي نادى بأنه سيهدم الهيكل ليبنبه في ثلاث أيام.

من يقرأ مديح الظل العالي هذا سيجده يزخر برموز كتابية من أيوب المتوحد [27] وآدم الذي ترك الجنة كما ترك الفلسطينيون بيروت [28] الى مريم المجدلية [29] الى أشعياء الذي رثى القدس ودرويش الذي هجا بيروت [30] ورموز وآيات أخرى كثيرة.

 

المرحلة الثانية في حياة درويش بدأت بحصار بيروت واستمرت حتى ما قبل أوسلو بقليل...

وقد كانت هذه المرحلة مصيرية ، فبعد بيروت شعر الفلسطينيون أنهم وحيدين متروكين في العالم العربي...

وأن العرب قد باعوا القضية الفلسطينية كما بيع يوسف من قبل اخوته :

 

" أنا يوسف يا أبي ،

يا أبي اخوتي لا يحبونني...

لا يريدونني بينهم يا أبي

يعتدون علي ويرمونني بالحصى والكلام.

يريدونني أن أموت  لكي يمدحونني.

وهم أوصدوا باب بيتك دوني .

وهم طردوني من الحقل

هم سمموا عنبي يا أبي.

فماذا فعلت أنا أبي ولماذا أنا ؟

أنت سميتني يوسفاً ، وهمو أوقعوني في الجب ،

واتهموا الذئب : والذئب ارحم من اخوتي ...

أبت ! هل جنيت على أحد عندما قلت اني :

رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ، رأيتهم ساجدين."  [31]

وما ميز هذه المرحلة أيضاً هو انهيار الاتحاد السوفيتي والذي شكل صدمة لشيوعي مناضل ، فرأي العالم برمته ينهار أمام عينيه...

وأمام خيانة العرب وانهيار الاتحاد السوفيتي يشعر درويش أن الكل قد تخلى عنه حتى الله... ولكنه في هذه الفترة بالذات يدخل في حوار مع الله ... ولذلك يستخدم درويش في هذه المرحلة رمز الصلاة في بستان جتسماني قبل العشاء الأخير ... وصلاة يسوع على الصليب ...وهاكم نموذجين : - 

"الهي الهي لماذا تخليت عني؟ لماذا تزوجت مريم؟ ( مريم هنا هي رمز لاسرائيل)

لماذا وعدت الجنود بكرمي الوحيد – لماذا؟

أنا الأرملة . أنا بنت هذا السكون. أنا بنت لفظتك المهملة ، لماذا تخليت عني؟

الهي ، إالهي لماذا تزوجت مريم؟

تنزلت في ؟؟؟؟ وانزلت شعبين من سنبلة ،

وزوجتني فكرة ، فامتثلت ، امتثلت تماماً لحكمتك المقبلة؟

أطلقتني ؟ أم ذهبت لتشفي سواي / عدوي من المقصلة ؟

أمن حق من هي مثلي أن تطلب الله زوجاً ...

وأن تسأله إالهي ...إالهي...لماذا تخليت عني،

لماذا تزوجتني يا الهي، لماذا...لماذا تزوجت مريم؟[32]

 

"يطول العشاء الأخير ، تطول وصايا العشاء الأخير ، أبانا الذي معنا كن رحيماً بنا ، وانتظرنا قليلاً ، ابانا!

ولا تبعد الكأس عنا . تمهل لنسأل أكثر مما سألنا ... "[33]

 

في هذه المرحلة لم يعد يسوع الثائر الذي يبحث عن الموت ، بل الابن الذي يريد فسحة أخرى للحياة...

في هذه الفترة لم تعد حبوب السنبلة التي تموت تملأ الأرض سنابل هي ما يهم ، بل على العكس ... في هذه المرحلة ينتقل درويش من لاهوت يقدس الموت والشهادة الى لاهوت يقدس الحياة...

في هذه الفترة قبل الانتفاضة الاولى ، نرى درويش حذر من الخطابات التي تمجد الضحية :

" يحبونني ميتاً ليقولوا : لقد كان منا ، وكان لنا... " [34]

وفي هذه المرحلة أيضاً ينشد :

" على هذه الأرض ما يستحق الحياة..." [35]

 

أما المرحلة الثالثة في فكر درويش فجائت مع أوسلو... وكما هو معروف كان درويش مثله مثل ادوارد سعيد ضد اتفاقية أوسلو...

في هذه الفترة تكثر التشابيه المأخوذة من سفر التكوين ... ففي اوسلو يرى درويش محاولة لمساواة قايين بهابيل ، القاتل بالضحية ... [36] كما ويرى فيها محاولة للتضحية بالذات كما ضمن ابراهيم بابنه (اسماعيل) [37]

 

أما المرحلة الرابعة وألخيرة في حياة درويش فتبدأ حوالي سنة 1999 . السياق هنا تغير...

السياق الشخصي لدرويش تغير كثيراً.

محمود أدخل المستشفى في باريس في عملية للقلب المفتوح ... هناك هو معلق بين الموت والحياة... بين العدم والوجود ، وهناك صراع بين الجسد والروح. درويش مقتنع أن ساعته لم تأت بعد [38]  كما لم يحن وقت الحصاد ولا وقت الدينونة.

أمام تجربة الموت هذه يصارع درويش ليفهم معنى الحياة وليسبر غورها فنراه في حيرة هل يتبع سليمان الحكيم في حكمته أم يؤمن يالناصري وبقيامته وهنا يختار درويش سليمان ... فسليمان الملك والحكيم والشاعر عرف المجد ، مجد هذا العالم ، كما عرفه درويش نفسه ولكنه أمر في النهاية أن كل شيء باطل ...

في هذه الفترة نرى محمود درويش متعلق بسفر الجامعة بل نراه يحاول أن يقلد سليمان في سفره ، كما نراه يجد سهولة بأن يشبه حاله بسليمان، ولكنه يجد صوبة أمام هول الموت أن يشبه نفسه بالمسيح ، وفي ذلك كله يقول[39] :

 

وانتظر

ولداً سيحمل عنك روحك.

فالخلود هو التناسل في الوجود .

وكل شيء باطل أو زائل ،

أو زائل أو باطل.

من أنا؟

أنشيد الأناشيد

أم حكمة الجامعة ؟

وكلانا أنا...

وأنا شاعر

وملك

وحكيم على حافة البئر

لا غيمة في يدي

ولا أحد عشر كوكباً

على معبدي

ضاق بي جسدي

ضاق بي أبدي

وغدي

جالس مثل تاج الغبار

على مقعدي

 

باطلُ، باطل الأباطيل ...باطل

كل شيء على البسيطة زائل

 

الرياح شمالية

والرياح جنوبية

تشرق الشمس من ذاتها

تغرب الشمس في ذاتها

لا جديد، إذا

والزمن

كان أمس،

سدى في سدى.

الهياكل عالية

والسنابل عالية

والسماء اذا انخفضت مطرت

والبلاد اذا ارتفعت أقفزت

كل شيء اذا زاد عن حده

صار يوماً الى ضده.

والحياة على الأرض ظل

لماذا لا نرى...

 

باطلُ، باطل الأباطيل ...باطل

كل شيء على البسيطة زائل

1400 مركبة

12000 فرس

تحمل اسمي المذهّب من

زمن نحو آخر ...

عشت كما لم يعش شاعر

ملكاً وحكيماً ...

هرمت، سئمت من المجد

لا شيء ينقصني

ألهذا إذاً

كلما زاد علمي

تعاظم همّي؟

فما اورشليم وما العرش؟

لا شيء يبقى على حاله

للولادة وقت

وللموت وقت

وللصمت وقت

وللنطق وقت

وللحرب وقت

وللصلح وقت

وللوقت وقت

ولا شيء يبقى على حاله...

كل نهر سيشربه البحر

والبحر ليس بملآن،

والموت ليس بملآن

لا شيء يبقى على حاله

كل حي يسير الى الموت

والموت ليس بملآن

لا شيء يبقى سوى اسمي المَذهّب

 

بعدي :

"سليمانَ كان"...

فماذا سيفعل موتى بأسمائهم

هل يضيء الذهب

ظلمتي الشاسعة

أم نشيد الأناشيد

والجامعة؟

 

باطلُ، باطل الأباطيل ...باطل

كل شيء على البسيطة زائل

 

 

 

 

 

"ومثلما سار المسيح على البحيرة سرت في رؤياي . لكنني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلو ولا أبشر بالقيامة..." [40]

درويش لا يهاب العلو بل الموت ... وعنده صعوبة أن يؤمن بالقيامة ... ولكن بدون قيامة تعج الحياة عبثاً ... درويش يكتشف ما يبقى للانسان أمام هول الموت فينهي جداريته بالقول :

" وهذا الاسم لي

ولأصدقائي ، أينما كانوا، ولي

جسدي المؤقت، حاضراً أم غائباً ...

متران من هذا التراب سيكفينا الآن

لي متر و75 سنتمتراً ...

والباقي لزهر فوضوي اللون ،

يشربني على مهل ، ولي 

ما كان لي أمسي ، وما سيكون لي

عندي البعيد ، وعودة الروح الشريد

كأن شيئاً لم يكن

وكأن شيئاً لم يكن

جرح طفيف في ذراع الحاضر العبثي

والتاريخ يسخر من ضحاياه

ومن أبطاله...

يُلقي عليهم نطرهُ ويمُر...

هذا البحر لي،

هذا الهواء الرطب لي

واسمي –

وان أخطأت لفظ اسمي على التابوت –

لي.

أما أنا – وقد امتلأت

بكل أسباب الرحيل –

فلست لي

أنا لست لي

أنا لست لي" [41]

أمام هول الموت يعترف درويش بأنه لا يملك نفسه... ولا يسيطر على مصيره...

درويش يعترف بأننا لسنا ملك أنفسنا...

وفي هذه حكمة عظيمة...

من يقرأ درويش سيكتشف أنه ملم بالعهد القديم كما وبالأناجيل ... ولكن يبدو لي أن درويش لم يتعرف يوماً على بولس ... لذلك لا نجد أي اقتباس لبولس عند درويش...

فبولس اختبر بعضاً مما اختبره درويش،  وادرك أننا ان عشنا فلا نعيش لذاتنا... ولكنه أضاف ببعده الايماني :

" فإن عشنا وإن متنا ... فللرب نحن .

نحن لسنا لذواتنا ... أنا لست لي...هنا يقف درويش ولا يستطيع أن يكمل...

أما بولس فيكمل ... أنا لست لي...للرب نحن...

ولكن درويش لم يقف عند جداريته لعام 1999 – بل في السنين الثماني الأخيرة بقي يفكر في لغز الحياة والموت... وترى هذا الفكر جلياً في ديوانه الأخير كزهر اللوز أو أبعد...

درويش لم يعد يحلم بقضايا آلامه الكبيرة، بل راح يدرك معنى الحياة في التفاصيل الصغيرة ...

" قيل قوي هو الحب كالموت !

قلت : ولكن شهوتنا للحياة

ولو خذلتنا البراهين ، أقوى الحب والموت/

فلننه طقس جنازتنا كي نشارك جيراننا في الغناء

الحياة بديهية ...وحقيقية كالهباء " [42]

في سنيه الأخيرة يرى درويش نفسه على جسرٍ يحيط به ضباب كثيف... فهو كشعب اسرائيل سيقطع نهر الأردن ... فيمنفى الجسر الى أرض الميعاد [43]

في ايامه الأخيرة وهو على الجسر يرى درويش بعيني الايمان ما لم يكن يراه سابقاً فيقر :

" ان كل مكان بعيد عن الله أو أرضه هو منفى " [44]

"وان في عالم لا سماء له ، تصبح الأرضُ هاوية...

واصرخ لتسمع نفسك

واصرخ لتعلم أنك ما زلت حياً وحياً

وأن الحياة على هذه الأرض ممكنة

فاخترع أملاً للكلام

ابتكر جهة أو سراباً

يطيل الرجاء،

وغنّ ، فإن الجماليّ حرية/

أقول : الحياة التي لا تُعرّف إلا

بضد الموت...ليست حياة[45]

كانت هذه احدى قصائد درويش الأخيرة...

من يقرأ درويش من بدايته الى نهايته سيراه انساناً عاش في الكتاب المقدس ... لم يكن هذا الكتاب كتاباً عابراً في حباته ، بل منه استمد شاعرنا وحيه والهامه في كل محطة من محطاته ومات على رجاء الحياة .

     

                                                   

                                          

                                                                                                                      

         

 


 

[1]  الأعمال الشعرية الكاملة: ديوان محمود درويش المجلد 1-2، ديوان "سرير الغريبة" 1996 – 1997، قصيدة " لم أنتظر أحداً" ص 685

[2] قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983 ، ص350

[3] ديوان "سرير الغريبة" 1996 – 1997، قصيدة " لم أنتظر أحداً" ص 686

[4] ديوان ورد أقل 1986 قصيدة "أنا يوسف يا أبي" ، ص 504

[5] ديوان لماذا تركت الحصان وحيداً : قصيدة " أبدُ الصبار" ، ص 602

[6] ديوان لماذا تركت الحصان وحيداً : قصيدة " نزهة الغرباء" ، ص610

[7]  ديوان " لماذا تركت الحصان وحيداً" قصيدة "كم مرة ينتهي أمرنا" ص 604

[8] الجدارية ، 1999 ، ص740

[9]  ديوان "أحد عشر كوكباً " 1992 ، قصيدة " خطبة الهندي الأحمر" ص 564

[10] الجدارية ، 1999 ، ص729 ، قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص 354

 

[11]    الجدارية ، 1999 ، ص729 و ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً : قصيدة " حبر الغُراب" ، ص612

[12]  كتاب : "كزهر اللوز أو أبعد" ص 142

[13]  ديوان آخر الليل ، 1967 : قصيدة : "امرأة من سدوم" ، ص 139

[14]  الجدارية ، 1999 ، ص 726

[15]  ديوان عاشق من فلسطين 1966 : قصيدة :"في انتظار العائدين" ، ص57

[16]  قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983 ، ص364

[17]  ديوان عاشق من فلسطين 1966 : قصيدة " نشيد" ص76

[18]  كتاب : "كزهر اللوز أو أبعد" ص149 ، الجدارية ، 1999 ، ص721

[19] ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً " ، قصيدة "أبدَ الصبار" ،ص 604

[20]  ديوان "ورد أقل" 1986 ، نثر بعنوان "الهي لماذا تخليت عني" ، ص505

[21]    الجدارية ، 1999 ، ص741

[22]  ديوان آخر الليل 1967 : قصيدة: " اغنية ساذجة على الصليب الأحمر" ص 97 ، و ديوان أوراق الزيتون 1964 ومنه القصائد التالية: قصيدة :"الى القاريء" ص7 ، و قصيدة :" ولاء" ص7 وقصيدة" عن انسان" ص8 ، وقصيدة " عن الصمود" ص22 وقصيدة " رباعيات" ص32

[24] أوراق الزيتون ، 1964 ، "عن انسان"  ص8 ،  ديوان محمود درويش المجلد 1-2 

[25]  قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص353

 [26]  قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص353

[27]   قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص 354

[28]   قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص 379

[29]   قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص376

[30]   قصيدة تسجيلية : "مديح الظل العالي" 1983، ص 364

[31]  ديوان "ورد أقل" 1986 ، نثر بعنوان "أنا يوسف يا أبي" ، ص504

[32]  ديوان "ورد أقل" 1986 ، نثر بعنوان " الهي لماذا تخليت عني؟" ، ص505

[33]  ديوان "ورد أقل" 1986 ، نثر بعنوان " يطول العشاء الأخير" ، ص 504

[34]  ديوان "ورد أقل" 1986 ، نثر بعنوان : " يحبونني ميتاً"، ص495

[35]  ديوان "ورد أقل" 1986 ، نثر بعنوان  " على هذه الأرض ما يستحق الحياة"ص 488

[36]  ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً " ، قصيدة "حبر الغراب" ،ص 612

[37]  ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً " ، قصيدة " فضاء هابيل عود اسماعيل" ، ص 610

[38]  الجدارية ، 1999 ، ص 722

[39]  الجدارية ، 1999 ص 738 – ص 741

[40] الجدارية ، 1999 ، ص 741 + ص 744

[41]  الجدارية ، 1999 ،ص745 – ص 746

[42]  ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" قصيدة " هنالك عرس" ص 39 - 40

[43]  ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" قصيدة "منفى (2)" ، ص 142

[44]  ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" قصيدة " منفى (3) " ، ص 167

 

[45]  ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" قصيدة " منفى (4) " ص 194 – ص 195